عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

40

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب السابع في الكلام من حسن وقبيح « 1 » أي بنى ، كن لسنا ولكن لا تكن كذابا ، ولا تجعل نفسك معروفا بالكذب ، وكن معروفا بالصدق ، حتى إذا ما كذبت مرة مضطرا قبل منك ، ولتقل ما تقوله صدقا ، ولكن لا تقل الصدق الشبيه بالكذب ، فإن الكذب المشابه للصدق خير من الصدق الذي يشبه الكذب ، لأن هذا الكذب مقبول وذاك الصدق غير مقبول ، واحترز كيلا يقع لك مثل ما وقع لي مع الأمير أبى الأسوار : اعلم أنه في أيام الأمير أبى الأسوار شاور بن الفضل ذهبت للغزو بكنجة في السنة التي عدت فيها من الحج ، إذ كنت قد غزوت كثيرا في الهند وأردت أن أغزو في الروم أيضا ، وكان أبو الأسوار رجلا ساكنا عاقلا وملكا عظيما مراعيا للعهد وعادلا وشجاعا وفصيحا وبعيد النظر ، وكان كما ينبغي أن يكون الملوك المجدون ، كان كله جدا لا هزلا ، فلما رآني أجلنى كثيرا ، ودخل معي في الحديث ، وكان يتحدث عن كل شئ ويسأل وأجيب ، وكانت تعجبه أحاديثى ، فأكرمني كثيرا ولم يتركنى لأعود ، ولكثرة ما كان يحسن إلىّ ، وطنت قلبي على الإقامة وأقمت سنوات بكنجة ، وكنت دائما أحضر للطعام والشراب في مجلسه ، وكان يسألني عن كل أنواع الكلام ، إلى أن كان الحديث يجرى ذات يوم عن عجائب كل موضع ، فقلت في رستاق كوكان قرية وعين ماء بعيدة عن القرية ، والنسوة اللاتي يذهبن لطلب الماء يتجمعن وقد أخذت إحداهن جرة فارغة وهي تمشى في المقدمة وتنظر في الطريق ، وفي أراضي تلك القرية دودة خضراء وحيثما ترى من ذلك الدود شيئا تنحيه من الطريق ، لكيلا تطأه واحدة من النسوة اللاتي يحملن الماء ، فإذا وطئت إحداهن تلك الدودة وماتت تحت قدمها تعفن الماء الذي تحمله في الجرة في الحال بحيث يجب إراقته ، ويلزمها أن تعود مرة ثانية وتغسل الجرة وتأتى بالماء من العين ، فلما قلت هذا الكلام عبس الأمير أبو الأسوار وحول عنى وجهه ، ولم يكن معي لبضعة أيام على تلك الحال التي كان عليها من قبل ، حتى قال لي فيروزان الديلمي إن الأمير متألم من تلك الحكاية ، وقال فلان رجل ثابت رزين فما يدعوه أن يتكلم معي كما يتكلمون مع الأطفال ؟ فأرسلت في الحال رسولا من كنجة إلى كركان ، وأمرت بعمل محضر بشهادة القاضي والخطيب وعلماء تلك الناحية على تلك الجملة ، يثبتون فيه أن تلك القرية موجودة وحال تلك الدودة

--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : عن الحسن والقبيح في الكلام .